الفريق عبد رب النبى حافظ .. القائد الأسطورة
تقرير: سامح طلعت
في أعقاب الضربة الجوية المصرية الموجعة التي أربكت صفوف العدو الإسرائيلي ومع استمرار التفوق المصري في الأيام الأولى لحرب أكتوبر 1973، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في تدفق كميات هائلة من الأسلحة البرية والجوية إلى إسرائيل، مما ساهم في استعادة قوات العدو لتوازنها تدريجيًا. لكن هذه القوات سرعان ما فوجئت بصلابة وقوة الفرقة 16 مشاة المصرية، التي كان يقودها رجل عظيم، سيخلد التاريخ اسمه بحروف من نور.
إنه اللواء أركان حرب عبد رب النبي حافظ، المولود في حي باب الشعرية بالقاهرة عام 1930. هذا القائد الفذ لم يكتف بتحطيم موجات الهجوم الإسرائيلي المدرع ببسالة نادرة، بل إنه ووفقًا للسجلات العسكرية، كان يمتلك قدرات قيادية استثنائية نجح في غرسها في نفوس جنوده. فمن بين قادته البواسل كان الشهيد العميد شفيق متري سدراك، أول الشهداء من الرتب الكبيرة وقائد اللواء الثالث مشاة، الذي حقق انتصارات كاسحة في بداية الحرب. كما كان من بين قادته العميد عادل يسري، الذي فصلت ساقه وهو يقود أحد الألوية، لكنه احتفظ بساقه المقطوعة وظل يقود جنوده بشجاعة حتى تم نقله قسرًا إلى الخطوط الخلفية.
بطولة الفرقة 16 مشاة تحت قيادة اللواء عبد رب النبي حافظ في يوم 6 أكتوبر
في تمام الساعة الخامسة من مساء السادس من أكتوبر، كانت الفرقة 16 مشاة بقيادة اللواء عبد رب النبي حافظ قد عبرت قناة السويس بالكامل، ورفعت الأعلام المصرية خفاقة على الضفة الشرقية. وكان من بين صفوفها العميد قائد الفرقة وكتيبة برمائية. وعلى الفور، استولى المقاتلون المصريون الأبطال على المصاطب الترابية التي أقامتها القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة، وذلك في غضون 45 دقيقة فقط من إتمام عملية العبور.
لم يلبث أن بدأ الهجوم الإسرائيلي المضاد بهجوم مدرع ضار بالدبابات من احتياطيه القريب، إلا أن فرقة المشاة المصرية الباسلة تصدت للموجة الأولى من الهجوم وأفشلتها تمامًا، موقعة خسائر فادحة في صفوف العدو.
وفي الساعة التاسعة وعشرين دقيقة، وصلت أول دبابة مصرية إلى الشاطئ الشرقي في قطاع الفرقة 16 مشاة المصرية، مما عزز من مواقع القوات المصرية. وفي تلك اللحظات، بدأت القوات المعادية في توجيه أول هجماتها من احتياطي الدبابات البعيد، حيث اشتركت في هذه الهجمة 50 دبابة ووحدة مشاة ميكانيكية، متجهة نحو الجانب الأيمن من الفرقة المصرية. لكن المقاومة المصرية الشرسة أسفرت عن وقوع خسائر فادحة في الجانب الإسرائيلي، حيث تم تدمير ما يقرب من 20 دبابة خلال وقت قصير جدًا. واستمرت الفرقة 16 في التقدم الحثيث في محاولة للوصول إلى منطقة الطالية، وهي عبارة عن تبة عالية يبلغ ارتفاعها 34 مترًا وتسيطر على أرض القتال بأكملها، وقد تمكنت الفرقة المصرية بالفعل من الوصول إليها والسيطرة عليها، مما أمن موقفها بشكل كبير.
صمود أسطوري وإفشال الهجمات الإسرائيلية المتتالية
وفي محاولة يائسة أخرى، حاولت القوات الإسرائيلية الهجوم على الجانب الأيسر للفرقة المصرية بعد فشل محاولتها للنيل من الجانب الأيمن، وكان ذلك يوم 8 أكتوبر في تمام الساعة الثامنة مساءً. وقامت بهذا الهجوم قوة أخرى تقدر بـ 50 دبابة إسرائيلية، لكنها فشلت مرة أخرى في تحقيق أهدافها. وعاودت الهجوم على نفس الجانب في صباح اليوم التالي، لكن نصيبها كان الفشل الذريع، بينما واصلت الفرقة المصرية تقدمها بثبات نحو الشرق لتلتقي مع عناصر الجيش الثاني الميداني المصري. وقام القادة المصريون بتجهيز المواقع الجديدة التي استولوا عليها، مما زاد من جنون القوات الإسرائيلية التي حاولت الهجوم للمرة الثالثة على الجانب الأيسر، ولكن هذه المرة بقوة أكبر بلغت 150 دبابة.
هنا دارت إحدى أشد المعارك وأشرسها في تاريخ الحروب، واضطرت على إثرها القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب بعد مقاومة مصرية بطولية استمرت لأكثر من أربع ساعات متواصلة. ولم تفلح كل هذه المحاولات الإسرائيلية المستميتة في وقف تقدم الفرقة 16 مشاة، حيث كانت القوات المكلفة بمهاجمة حصني الدفرسوار قد استولت عليهما من خلال الهجوم على محاور متعددة بين اليمين واليسار والخلف، وتمكنت هذه القوات من أسر 37 جنديًا إسرائيليًا في صباح يوم 9 أكتوبر.
لم تتوقف محاولات العدو، ففي صباح يوم 9 أكتوبر، قامت القيادة الإسرائيلية بحشد اللواء (600) مدرع لدعم القوات الأصلية في هذا الموقع، وبدأ الهجوم الإسرائيلي بـ 150 دبابة على مدى المواجهة بأكملها، في الوقت الذي اندفع فيه اللواء 600 المدرع الإسرائيلي بأكمله في منتصف التشكيل المصري. وعلى الفور، تصدت له المدرعات والمضادات المصرية ببسالة، ووصلت المسافة بين مدرعات الطرفين في بعض الأحيان إلى نحو 100 متر فقط، حتى أطلق البعض على هذه المعركة اسم “صدام الدروع”. وقد قام قناصو الدبابات المصريون بتدمير 34 دبابة إسرائيلية خلال هذه المعركة التي لا مثيل لها، والتي استمرت حوالي 7 ساعات كاملة حتى الساعة الرابعة من بعد ظهر ذلك اليوم.
وفي صبيحة اليوم التالي، 10 أكتوبر، قامت القوات الإسرائيلية في الساعة الخامسة صباحًا بالتمهيد النيراني لهجوم جديد باستخدام المدفعية والطائرات، ثم اندفعت 70 دبابة معادية في اتجاه مواقع وتحصينات الفرقة المصرية، التي أبدت مقاومة شديدة أوقفت الهجوم بعد ساعات من بدايته. وتكررت المحاولات الإسرائيلية اليائسة لتدمير ووقف تقدم الفرقة 16 مشاة المصرية عند مساء ذلك اليوم، إلا أنها باءت جميعها بالفشل، واضطرت القوات الإسرائيلية إلى الارتداد ثم الانسحاب أخيرًا. وكانت آخر هذه المحاولات الهجوم الإسرائيلي بـ 100 دبابة على الجانب الأيمن للفرقة المصرية في منطقة الدفرسوار عند التقاء القناة بالبحيرات المرة، ومرة أخرى كان نصيب هذا الهجوم كسابقيه.. فشلًا ذريعًا.
لقد كان الفريق عبد رب النبي حافظ قائدًا أسطوريًا بحق، قاد رجاله ببسالة وشجاعة منقطعة النظير، وكان له الدور الأكبر في تحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، وساهم ببطولته وبطولة فرقته في تحقيق النصر العظيم لمصر في حرب أكتوبر المجيدة.
انتقل الفريق عبد رب النبي حافظ إلى رحمة الله في يوم 23 مارس 2022، تاركًا وراءه سيرة عطرة وميراثًا من الفخر والعزة لكل مصري وعربي.
اقرأ أيضاً:
حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية
العدد الأول من مجلة أبطال صنعوا التاريخ





